المضاربة او القراض في الاسلام

تعريف المضاربة الفردية
المضاربة في اللغة: مفاعلة من الضرب في الأرض، وهو السير فيها، وضارب له اتجر في ماله . وفي اصطلاح الفقهاء: هي عقد يعطي بموجبه إنسان شيئا من ماله لإنسان آخر ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على نسبة يتفقان عليها في العقد.
هذا ملخص ما عرَّف به الفقهاء المضاربة، وإن تعددت ألفاظهم فيه، إلا أن معناها لم يخرج عن ذلك .
وتسمية هذا العقد بالمضاربة، هو اصطلاح أهل العراق، وهو ما اختاره الحنفية والحنبلية، ويسميه أهل الحجاز قراضاً، وهو ما اختاره المالكية والشافعية، والمعاصرون من الفقهاء يستعملون الاثنين معاً.
* مشروعية المضاربة الفردية:
اتفق الفقهاء على مشروعية المضاربة أو القراض، وعامتهم على أنها مشروعة استحسانا على خلاف القياس كما تقدمت الإشارة إليه، وأن مشروعيتها مستندة إلى السنة القولية والتقريرية والإجماع والمصلحة الحاجيَّة أو الضرورية، وهناك إشارات في القرآن الكريم إلى مشروعيتها من غير نص، من ذلك قوله تعالى (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
وأما السنة القولية فما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه من أنه كان إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا ولا ينزل به واديا ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن، فرفع شرطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه) .
وأما السنة التقريرية، فهي ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث والناس يتعاملون بالمضاربة فلم ينكر عليهم، فكان ذلك تقريرا منه صلى الله عليه وسلم لمشروعيتها.
وأما الإجماع، فهو ما روي عن عدد من الصحابة أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، منهم عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم، ولم ينقل عن أحد من أقرانهم أنه أنكر عليهم ذلك، ومثله يكون إجماعا، وعليه تعامل الناس من زمن الصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير.
وأما المصلحة، فلأن كثيرا من أصحاب الأموال لا يعرفون طرق استثمارها، وأن كثيرا من الخبراء في ذلك لا أموال عندهم، والمصلحة تقتضي مشاركة الطرفين، وهي مصلحة ضرورية لدى البعض وحاجيَّة في نظر غيرهم.
وكل ذلك استحسان يترك به القياس.
* أطراف المضاربة
أطراف المضاربة باتفاق الفقهاء هم: رب المال، والمضارب، ورأس مال المضاربة، وعمل المضارب، والربح الذي يتحقق فيها، وصيغة المضاربة. وقد عد أكثر الفقهاء هذه الأطراف كلها أركانا للمضاربة، وعد الحنفية الصيغة وحدها الركن، والباقي أطرافا، وهذا الاختلاف اصطلاحي شكلي لا يمس جوهر الموضوع.
* شروط المضاربة:
تتوزع هذه الشروط على الأطراف، كما يلي:
1 – يشترط في صيغة المضاربة ما يشترط من الشروط في صيغ عامة العقود الأخرى، وقد اشترط الحنفية، وجمهور المالكية، والشافعية في الأصح، في صيغتها أن تكون باللفظ (الإيجاب والقبول)، وأجاز الحنبلية، والشافعية في القول الثاني، انعقادها باللفظ وبالفعل، وقال بعض المالكية تنعقد بقول أحدهما ورضا الآخر بها من غير قول، إذا توفرت القرينة على ذلك .
2 – ويشترط في العاقدين -رب المال والمضارب- كمال الأهلية، وحرية التصرف في المال، هذا بشكل عام، وهناك تفصيلات جزئية اتفق الفقهاء في بعضها واختلفوا في بعضها الآخر، مثل المفلس، والمريض مرض الموت، وغير ذلك، تعرف في كتبهم .
3 – ويشترط في رأس المال شروط، أهمها:
( أ ) أن يكون من الدراهم أو الدنانير، ويدخل في ذلك الآن سائر العملات، لأنها تأخذ حكمها لدى عامة فقهاء العصر، بل هي بدل عنها.
واختلفوا في العروض، فذهب الجمهور منهم إلى أنه لا يصح أن تكون رأس مال في المضاربة، وعن أحمد رواية أخرى بصحة المضاربة في العروض، وتجعل قيمتها وقت العقد رأس مال المضاربة. إلا أنه لو قال رب المال للمضارب: بع هذه العروض واعمل بثمنها مضاربة، فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف فيها جاز عند الحنفية، وقال المالكية: إن قال له بعه واجعل ثمنه رأس مال، فمضاربة فاسدة .
(ب) أن يكون رأس المال معلوما للعاقدين جنسا ونوعا ومقدارا، فلو كان مجهولا لم تصح .
(ج) أن يكون عيناً لا دَيناً في الذمة، فإن كان ديناً في الذمة لم تصح المضاربة لدى جمهور الفقهاء، وذهب بعض الحنبلية إلى جوازها بالدين على العامل، وذهب الحنفية إلى أنه لو قال رب المال للمضارب اقبض ما لي على فلان من الدين واعمل به مضاربة جاز .
(د) كون رأس المال مسلما للمضارب، فلو شرط رب المال على المضارب أن يعمل معه فيه لم تصح المضاربة، وهو مذهب الجمهور، وذهب الحنبلية في المذهب إلى أنه لو اشترط عليه عمله معه صحت وكانت مضاربة .
(هـ) ويشترط في الربح أن يكون نسبة شائعة معلومة لكل من الطرفين، ولا يجوز أن يُشرط لأحدهما مبلغ محدد وإن قل، ولا يُشرط ربح لغير العاقدين .
4 – أما ما يتعلق بالعمل من العامل من الشروط عند الإطلاق، فهو منوط بما تعارف الناس فعله في عرف التجار، وهناك أمور لا تلزمه إلا إذا نص عليها في العقد، وأمور لا يصح اشتراطها عليه، وهي مفصلة في كتب الفقهاء.
هذه شروط صحة المضاربة المفردة بإجمال، فإذا فقدت المضاربة واحدا منها فسدت.
والمضاربة الفاسدة بوجه عام تنقلب إلى إجارة فاسدة، فيكون الربح فيها لرب المال وحده، والخسارة عليه، ويكون للعامل أجر مثله.
هذا تعريف المضاربة الفردية وأركانها وشروطها بإجمال.
المضاربة الجماعية أو المشتركة
أما المضاربة الجماعية أو المشتركة فلها ثلاث صور، هي:
الأولى: أن يكون رب المال واحدا والعامل متعددا، كأن يضارب لرب المال جماعة من الخبراء في إدارة المال واستثماره، ويعملوا فيه مجتمعين، ويكون لهم نصيب معين مشاع من الربح يقتسمونه بينهم، أو يضارب لرب المال واحد ويأذن رب المال له بالاستعانة بغيره، فيتفق المضارب مع واحد أو أكثر ليعملوا معه في هذا المال، ويكون لهم معه نصيب معين من الربح.
والثانية: أن يكون المضارب واحدا ويكون أرباب الأموال متعددين، كأن يضارب لرب المال عامل، ثم يأتي رب مال آخر فيضارب له العامل ذاته، ثم يأتي رب مال ثالث ورابع… فيضارب لهم جميعا هذا العامل، على أن له نسبة معينة من ربح هذه الأموال، ثم قد يكون ذلك منهم جميعا في عقد واحد، أو على التتابع في عقود مختلفة، وقد يكون ذلك كله قبل عمل المضارب في المال الأول، أو بعده أو أثناء عمله فيه.
والثالثة: أن يكون كل من رب المال والعامل متعددين.
هذه الصور الثلاث من المضاربة المشتركة أو الجماعية طرحها العصر الحاضر على بساط الاستثمار المالي الإسلامي، بديلا عن الاستثمار الربوي الذي انتشر في العالم، وعم وطم البلدان الإسلامية وغيرها، حتى ظن البعض أن لا بديل عنه.
فأما الصورة الأولى، وهي تعدد العمال ورب المال واحد، فليست هي المرادة في بحثنا هذا، وعلى كل فأمرها هين، لأنها قريبة جدا من المضاربة الفردية، وفيها عامة خصائصها، وليس صعبا قياسها عليها، والحكم بمشروعيتها، وإلحاقها بها في أحكامها.
وأما الصورتان الثانية والثالثة، فهما محل الدراسة، بل إن الصورة الثانية هي المعنية بالدراسة أولا، لأنها هي المطبقة في المؤسسات الاستثمارية الإسلامية، دون الثالثة، وهي المعنية في ندوتنا هذه.
وذلك لأن صعوبات كثيرة تثور أمام شرعية هاتين الصورتين من المضاربة الجماعية أو المشتركة، لعدم ورود نص شرعي من كتاب أو سنة على شرعيتهما، وصعوبة قياسهما على المضاربة الفردية التي تقدم تلخيص تعريفها وأحكامها، لمخالفتهما لها في بعض الأمور.
وقد قام كثير من الباحثين والفقهاء المعاصرين ببعض الدراسات في هذا المجال محاولين تلمس الطرق الشرعية لإباحتهما، وأغلب الباحثين نحى منحى قياسهما على المضاربة الفردية، وبيان أن الفوارق الجوهرية بين هاتين الصورتين من المضاربة الجماعية وبين المضاربة الفردية غير مؤثرة، وبالتالي تكون المضاربة الجماعية بالصورتين السابقتين مباحة قياسا على المضاربة الفردية، وهو ما سوف نوجه الدراسة إليه في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
 – أهم هذه الفوارق:
    أن المضاربة الفردية تكون بين فردين، هما رب المال والعامل، والثانية بين فرد واحد هو المؤسسة الإسلامية باعتبارها شخصية اعتبارية واحدة، وبين أرباب الأموال، وهم متعددون.
    إلا أن هذا الفارق غير مؤثر في نظري، لأن بعض فقهائنا أجازوا للعامل في المضاربة الفردية أن يضارب لأكثر من رب مال واحد، مع الخلط بين أموالهم، بل وبين مالهم وماله هو، ولكن أكثرهم اشترط لذلك شروطا:
الأول: أن يكون ذلك برضا رب المال الأول، وهذا الشرط متوفر في المضاربة المشتركة، لأن أي رب مال يضع ماله في المؤسسة الإسلامية يعلم أن هذه المؤسسة تقبل المال منه ومن غيره أيضا، ولا يمانع في ذلك، فلا يكون ذلك فارقا بين النوعين، ولا تأثير له على مشروعية المضاربة المشتركة.
الثاني: أن يكون ذلك قبل أن يعمل المضارب في المال الأول، جاء في الشرح الكبير ما نصه: (وجاز للعامل خلطه من غير شرط، وإلا فسد كما مر، وإن كان الخلط بماله إن كان مثليا وفيه مصلحة لأحد أصحاب المالين غير متيقنة، وكان الخلط قبل شغل أحدهما، فيمنع خلط مقوَّم أو بعد شغل أحدهما وتعين لمصلحة متيقنة) ، وهذا الفارق يشكل مشكلة شائكة، وفارقا كبيرا بين النوعين من المضاربة، لأن المؤسسات الإسلامية تخلط أموال أرباب الأموال بعضها مع بعض، كما تخلط بين أموال هؤلاء وأموالها هي، قبل العمل في المال الأول وبعده. وهو ما يستحق الوقوف الطويل.
الثالث: أن لا يكون في هذا العمل إضرار برب المال الأول، قال ابن قدامة: (وإذا ضارب لرجل لم يجز أن يضارب لآخر إذا كان فيه ضرر على الأول.. وقال أكثر الفقهاء يجوز) . وهذا الشرط متوفر في المضاربة المشتركة، حيث إنه لا ضرر على أحد من الشركاء في خلط أموالهم، بل المصلحة في ذلك لهم، لأن تنمية المال الكثير تعود عادة بمردود ربحي أكبر من تنمية الأموال القليلة.
وعليه فإنني أرى أن التكييف الأوضح والأوفق للمضاربة المشتركة أو الجماعية هو قياسها وإلحاقها بالمضاربة الفردية، وعدِّها فرعا من فروعها، ولا يوجد في ذلك أي مشكلة كما قدمت، سوى موضوع خلط المضارب أموال المضاربين بعضها مع بعض أو خلطها بماله، برضا أصحاب الأموال، فإن فيه مشكلة، ذلك أن الفقهاء منعوا من الخلط إذا تم بعد عمل المضارب في المال الأول، وهو ما يتم في المضاربة المشتركة، بل هو من ضروراتها، ولو رجعنا إلى تعليل الفقهاء للمنع من ذلك، لوجدناه يتجلى فيما يترتب عليه من الجهالة في الربح، حيث إن المال الأول قد يربح دون الثاني، أو يربح الأول ويخسر الثاني، أو يربحان أو يخسران معا، ولكن بنسب متفاوتة متغايرة، لأن المضارب (المؤسسة الإسلامية) قد يتسلم المال من الأول، ويعمل فيه، وقبل أن يعلم أنه ربح أو خسر(لأن ذلك لا يعرف إلا بالتنضيض) يتسلم المال من الثاني، ويعمل فيه مع المال الأول مضموما إليه، ثم تأتي الحصيلة ربحا أو خسارة، ولا تدري المؤسسة كم حصة المال الأول منها قبل أن يخلط به غيره.
إلا أن هذه الجهالة في نظري أصبحت بعد تقدم نظم المحاسبة، ودقة عمل المؤسسات الإسلامية، جهالة يسيرة، والجهالة اليسيرة مغتفرة في المعاملات عامة، من ذلك ما لو باع رجل آخر سلعة بثمن مؤجل، فإن أجَّله إلى أجل محدد جاز، وإن أجله إلى أجل مجهول فسد البيع، ولقد بحث الفقهاء في هذه الجهالة، وقالوا: الجهالة المفسدة هي الجهالة الفاحشة، أما الجهالة القليلة فمغتفرة، مثل أن يؤجله إلى يوم كذا دون أن يحدد الساعة، لأن الجهالة في عدم تحديد الساعة جهالة يسيرة مغتفرة في العرف، ومتسامح بها، فلا تؤثر في صحة العقد، ويعبر البعض عن هذا المعنى بالمبارأة، أو المسامحة.
والآن أعود لأناقش أهم المشكلات التي تواجه المضاربة المشتركة، في ضوء نصوص الفقهاء المعتبرين، والقواعد التشريعية العامة في هذا النوع من المعاملة، وذلك بعدما بينت أن أقرب التكييفات الفقهية للمضاربة المشتركة أو الجماعية قياسها على المضاربة الفردية، التي اتفق الفقهاء على إباحتها ومشروعيتها، وبينت أنه لا مشكلة حقيقية في هذا القياس، بعد أن رأيت أن الجهالة فيها غير مؤثرة، لأنها يسيرة، ويتسامح الناس فيها غالبا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s