خطبة حجة الوداع المضامين و الدروس المستفادة

متى_كانت_حجة_الوداع
السياق الزمني والمكني
الزمان : وفي السنة العاشرة للهجرة
المكان: ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة من جبل الرحمة
المضامين
المضمون الأول: حرمة الدماء والأموال والأعراض:
وهذه الضرورات مما اجتمعت عليها شرائع النبيين عليهم السلام ولا يتأتى للبشرية عيش صالح باختلالها، والغالب أن اختلال أحدها يؤدي إلى اختلالها جميعاً، وقد قال الله تعالى في قصة آدم وإبليس: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة:36]؛ والأرض لا تكون مستقراً للناس ومتاعاً لهم إلا بأمنهم على دمائهم وأعراضهم وأموالهم.
ومقصود تحصيل هذا الأمن وغايته: إقامة التوحيد في الأرض، أي: يسعى الناس فيما يحقق الأمن؛ ليتسنى لهم عبادة الله  وحدَه لا شريك له، وإقامة دينه، والحكم بشريعته؛ لأنه إذا عُدمَ الأمن، واختلط الأمر لم يتمكن الناس من عبادة الله تعالى وإقامة دينه.
المضمون الثاني: ترسيخ التوحيد، والقضاء على كل مظهر من مظاهر الشرك:
وذلك ظاهر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا كُلُّ شَيْءٍ من أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ».
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: “يدخل فيه كل ما كانوا عليه من العبادات والعادات مثل دعواهم يالِ فلان ويالِ فلان، ومثل أعيادهم وغير ذلك من أمورهم” (اقتضاء الصراط المستقيم : 111، ط الفقي).
واستخدام النكرة ولفظ الاستغراق يدل على الشمول (كل) (شيء) (من أمر) فما دام له تعلُّق بالجاهلية فهو موضوع أي: ملغىً، وقد بالغ صلى الله عليه وسلم في تحقيره (تحت قدمي) أي :مهما علا شأنه عند أهله، وامتلأت قلوبهم بتعظيمه؛ فهو تحت الأقدام ما دام من أمر الجاهلية.
وأمر الجاهلية هو ما عارض الديانة الربانية، ولا يقتصر على ما كانت تعرفه العرب من عبادة الأوثان، أو ما تعتقده من أفكار خاطئة، أو ما ترتضيه من عادات وأعراف.
المضمون الثالث: امتثال الآمر لما يأمر به، وانتهاؤه عما ينهى عنه، والبَدء في ذلك بنفسه وأهل بيته وقرابته:
فإن ذلك أدعى لقبول الناس لقوله، وهذا ظاهر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ من دِمَائِنَا دَمُ ابن رَبِيعَةَ بن الْحَارِثِ كان مُسْتَرْضِعاً في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بن عبد الْمُطَّلِبِ فإنه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ».
وهذا واجب من واجبات الدعوة عظيم، وأدب من آدابها رفيع، وهو سلوك الأنبياء عليهم السلام فلم يُنقَل عن أحد منهم أنه خالف قوله فعله، ولو وقع ذلك منهم لعيَّرهم به المكذبون من أقوامهم، فلما لم يقع ذلك منهم عُلِم أن طريقة الأنبياء وأتباعهم من الدعاة هي موافقة العلم العمل، وإتباع القول الفعل؛ كما حكى الله تعالى عن شعيب عليه السلام أنه قال: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود:88].
المضمون الرابع: الوصية بالنساء، وبيان ما لهن وما عليهن في بيت الزوجية:
وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الله في النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ الله وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غير مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».
فهذه الوصية هي من البناء الاجتماعي المتين، والإصلاح الأسري المكين؛ ذلك أن صلاح الزوجين وأداء كلِّ واحد منهما للآخر حقَّه فيه صلاح الأسرة، وصلاح الأسرة يعود على المجتمع بأجمعه بالصلاح والاستقامة.
وكم أثَّرت الخلافات الزوجية، والانتكاسات الأسرية على المجتمعات؟ وكم كلفتها من تكاليف باهظة في تسرب الأولاد وضياعهم، وانتشار الجرائم على أيديهم؛ لامتلاء قلوبهم بالأحقاد والضغائن على مجتمع لم يجدوا فيه الأمن الأسري، والاستقرار النفسي.
المضمون الخامس: الوصية بالتمسك بكتاب الله تعالى والاعتصام به والتزامه:
فالكتاب والسُّنة هما تَرِكة النبي صلى الله عليه وسلم لنا، وهما العلم الذي خلَّفه لأمته: «وقد تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ الله…» وهذه الوصية تتضمن التمسك بالسَّنة؛ لأن الأمر بالاعتصام بالكتاب يلزم منه الأمر بالاعتصام بالسُّنة.
وقد ضل في الوصية بكتاب الله تعالى طائفتان من الناس:
الطائفة الأولى: الفرق الباطنية (وعلى رأسها الرافضة الإمامية) حين لم يأخذوا بسُنة النبي صلى الله عليه وسلم ورفضوها متمسكين -حسب زعمهم- بهذا الحديث، وفي بعض رواياته في غير الصحيح: «إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي» (رواه من حديث جابر رضي الله عنه – الترمذي، وقال : حسن غريب 3786 ورواية الصحيح أثبت وجاء بنحوه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند أحمد : 3 / 17، وسنده ضعيف، ومن حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه عند الترمذي وقال : حسن غريب 3788 ومن حديث زيد بن ثابت عند أحمد : 5 / 189 وصححه الألباني بشواهده كما في السلسلة الصحيحة 1761).
المضمون السادس: إشهاده صلى الله عليه وسلم الناس على بلاغه لدين الله تعالى لهم:
وهو أعظم إشهاد في التاريخ البشري، في أشرف زمان ومكان، استشهد عليه أفضل البشر، وشهد له أفضل أتباع نبي؛ فشهد له أهل الموقف كلهم وهم زهاء مئة ألف، ولا يُعرَف في التاريخ كله شهود يضاهون هذا العدد، وكانت شهادتهم على أهم القضايا وأعلاها، وهي دين الله تعالى: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قد بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فقال بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى الناس: «اللهم اشْهَدْ اللهم اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».
الدروس المستفادة
الدرس الأول: بيَّن النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – حُرمة الدماء والأموال، ووضَّح لنا أن هذه الحُرمة تُساوي حُرمة اليوم والشهر والبلد، ومعلومٌ أن حُرمة البلد الحرام – وهو مكة – حُرمةٌ عظيمة، وحُرمة الشهر الحرام – وهو شهر ذي الحجَّة – حرمة عظيمة؛ فالله – سبحانه وتعالى – جعَل عدَّة الشهور اثنَي عشر شهرًا، منها أربعة أشهر حرم، فالأَشهُر الحرُم هي: ذو القِعدة، وذو الحَجَّة، والمُحرَّم – ثلاثة أشهر  مُتواليات – ورجب، فهذه أربعة أشهر حرُم لها حُرمَة عظيمة، فحُرمة الدِّماء والأموال حُرمة شديدة وعَظيمة، ولو تدبَّر الناس هذا الكلام، لَمَا تعدَّى أحد على أحد، ولَمَا سُفكَت الدماء، ولَمَا خُطفَت الأموال، ولما سُرقَت، ولَما اغتُصبَت، ولَعاش الناس عيشةً هنيئةً فيها سعادتهم الدُّنيوية قبل الأُخرويَّة، فهذا التحريم يجعل الإنسانَ يعمل ألف حِساب قبْل أن يتعدَّى على غَيره ليَسفك دمه أو ليأخُذ ماله دون وجْه حقٍّ، ولأمِن الناس على دمائهم وأموالهم، ولما عاشوا في رعْب وخَوف، ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح: ((لا يَحلُّ دم امرِئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنَّفس، والثيِّب الزاني، والتارك لدينه المُفارِق للجَماعة)).
الدرس الثاني: وضَع النبي – صلى الله عليه وسلم – كلَّ شيء مِن أمر الجاهلية، فقال: ((ألا وإنَّ كل شيء مِن أمر الجاهلية موضوعٌ تحت قدميَّ هاتَين))، فكل شيء مِن أمر الجاهليَّة باطل، فالإسلام قد أبطَل أمور الجاهليَّة؛ فلا كِبر، ولا بطَر، ولا أشَر، ولا لوأْد البنات (دفنهنَّ أحياء)، ولا فضْل لقبيلةِ كذا على قبيلةِ كذا، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.
ودماء الجاهلية موضوعة، ومِن عدل النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه لم يَحكُم على الناس بما لم يحكُم به على نفسِه، ونتعلم مِن ذلك أننا لا بدَّ أن نُنفِّذ أوامر الله – عزَّ وجلَّ – وأوامر النبي – صلى الله عليه وسلم – قبل أن نأمُر غيرَنا، لا بدَّ أن نلاحظ أنفسنا أولاً؛ حتى نكون مُنصفين، وحتى لا نكون مِن الذين قال الله – تعالى – فيهم: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة:  44
الدرس الثالث: المُعامَلة الحسَنة مع النساء:
يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((فاتَّقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتُم فروجهنَّ بكلمة الله))، فأمرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – بتقوى الله تعالى في النساء، وعلَّمنا أن نؤدي الحقوق التي علَينا قِبَل النساء، وبيَّن لنا – عليه الصلاة والسلام – أن أصل الفروج حرام بقوله: ((واستحللتُم))، فالأصل أن الفروج حرام، ولا يحلُّ منها إلا ما أحله الله – تعالى – وقد أمَرنا الله – تعالى – بغضِّ الأبصار؛ فقال – عزَّ وجل -: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 30 – 311].
الدرس الرابع: الاعتصام بالقرآن والسنة:
فقد بيَّن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن اعتصامنا بالكتاب والسنَّة فيه النجاة مِن كل شرٍّ وسوء، فإذا أراد المسلمون الثبات على الهداية، فعليهم أن يتمسَّكوا بالقرآن والسنَّة، والقرآنُ الكريم والسنَّة المشرَّفة فيهما سعادة مَن تمسَّك بهما في الدارَين (الدنيا والآخِرة)؛ يقول الله – عز وجلَّ -: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].
ويقول عزَّ وجل: ﴿ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: 1].
الدرس الخامس: ((اللهم اشهَد، اللهم اشهد)):
بعدما بيَّن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما بيَّن في خطبته، قال للصحابة: ((وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟!)) قالوا: “نشهد أنك قد بلَّغتَ رسالات ربك، وأدَّيت، ونصَحت لأمَّتك، وقضيتَ الذي عليك”، فقال بإصبعه السبابة، يَرفعها إلى السماء ويَنكتها إلى الناس: ((اللهم اشهَد، اللهم اشهَد)).
وفيه دليل على أن الله – عز وجلَّ – في السماء، هذه هي العقيدة الصحيحة والإيمان الموافق للكتاب والسنَّة، ولا نقول كما يقول بعضهم: الله في كل مكان، أو أن الله ليس له مكان، كلُّ هذه اعتقادات باطلة؛ لأن القرآن والسنَّة فيهما شفاء لما في الصدور، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿ أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ [الملك: 16]، وقد أقرَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – الجارية  التي سألها: ((أين الله؟)) قالت: في السماء، فقال – عليه الصلاة والسلام -: ((أَعتِقها؛ فإنها مؤمنة))، فعلينا بالاتِّباع؛ ففيه النجاة، ولا داعي للتأويل، والتحريف، والتمثيل، ما دام أن النُّصوص واضِحة ولا لَبس فيها

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s