الأدب الاجتماعي

10

الأدب الاجتماعي والإصلاحي موضوع هذا اللقاء، وهذا الموضوع يثير في أذهاننا مجموعة من الأسئلة تقودنا إلى موضوعات عدة، لهذا كان الأدب الاجتماعي الإصلاحي، أو متى تبدو الحاجة ملحة إلى الإصلاح الاجتماعي ؟ حينما تفسد علاقة الإنسان بعقله، أو يسيء إعماله فيسخره لأغراض رخيصة، عندها يكون الجهل والتجهيل هو أعدى أعداء الإنسان، وحينما تنقطع صلة الإنسان بينبوع القيم أو تفسد علاقته به تسفل أهدافه، وتنحط ميوله، ويبيح لنفسه أكثر الوسائل قذارة لأشد الأهداف انحطاطاً، عندها تكون أزمة الأخلاق مدمرة، التي تسبب الشقاء الإنساني، وحينما تفسد علاقة القوي بالضعيف، ستكون الغلبة لصاحب القوة لا لصاحب الحق، عندها تعيش الأمة أزمة حضارية تعيق تقدمها أولاً وتقوم دعائمها ثانياً، فيكون انهيار الحضارة وانهيار الأمة، وما دور الأدب الحقيقي في إصلاح الفساد، أو هل الأدب قوة فعالة تستطيع إنقاذ البشر من ألوان الفساد الغارقة فيه بطريق مباشر أو أنه غذاء روحي بطيء الأثر قليل الخطر، لن يقدم ولن يؤخر، إن الذين يحسنون الظن بالأدب يقولون :

  قام الأدب على التجربة الحية الصادقة لإنسان أو شعب أو عصر، من دون تزيف أو تهويل، حتى لا تفسد الصور وتحجب الحقائق تلك الحقائق التي هي وسيلة العصر الحديث لفهم نفسه ووعي مشكلاته وأدرك مدى قدرته على حله، إذا كان الأدب كذلك خرج من وظيفة الحلية البديعة الساكنة فوق الصدور إلى وظيفة النور البراق المتحرف الذي يفتح الأبصار، وتقتضي الموضوعية في البحث أن نقول : إذا صور الأدب نوعاً من الشذوذ والانحطاط وحمل قارئه على أن يعطف على الانحلال ويعجب بالتدهور فإن مجتمعاً بأسره يمكن أن تسري فيه العدوى عن طريق هذا الأدب، ويكون الأدب حينئذٍ مدمراً لمجتمع وقيمه وأخلاقه.

 إذاً : فالأدب في أحسن الأحوال وفي أحسن حالاته، بل وفي الأجواء الحرة الصحيحة يستطيع أن يقدم صورة دقيقة لمشكلة أو مأساة اجتماعية تعد الخطوة الأولى لإصلاح ما فسد ولا بد من أن تتلوها خطوات وخطوات.

هل الأدب الاجتماعي الإصلاحي من حيث المضمون ظاهرة جديدة كل الجدة، أما في الأدب القديم ما يشبهه من قريب أو بعيد.

أيها الأخوة الأكارم :

 الإنسان هو الإنسان، متى وجد وحيث ما حل، فطرته وصبغته وحاجاته ومشاعره وآلامه وطموحاته هي هي، فالمشكلات الاجتماعية كانت ولا تزال على اختلاف في تنوعها وفي حدتها وفي حجمها، ومما يؤكد هذه الحقيقة وهي أن المشكلات الاجتماعية هي هي، أسوق إليكم هذه القصة…

أحد الولاة في عهد عمر بن عبد العزيز كتب إليه، إن إناساً من العمال قد اقتطعوا مالاً ولست أقدر على استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب، فإن أذنت لي أفعل.

 فكتب إليه عمر : إني أعجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك حصن من عذاب الله، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله فانظر من قامت عليه بينة فخذه بما قامت به عليه البينة، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به، ومن أنكر فاستحلفه وخل سبيله، ويم الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم والسلام.

 هذه القصة تؤكد أن المشكلات الاجتماعية هي هي، وأن الإنسان هو هو، لذلك يمكن أن يكون في الأدب القديم ومضات من الأدب الاجتماعي تؤكدها بعض هذه الصور، فأبو فراس الحمداني يغرق في ألم فردي عميق يحمله على أن يهجو الزمان ويشكو غدر الخلان فيقول :

بـمن يثق الإنسان فيما ينوبه ومن  أين للحر الكريم سحاب 

وقد صار هذا الناس إلا أقلهم  ذئاب على أجسادهم ثيــــاب

 فتاة عربية تلمس كف أبيها فتجدها خشنة، فتقول :

هذه كف أبي خشنها ضرب  مجحاف ونقل بالزبيب

 فيجيبها أبوها :

ويكي لا تستنكري كد يدي  ليس من كد لعز بذليـــل

إنما الذلة أن يمشي الفتـى ساحب الذيل إلى وجه البخيل 

 وفي هذا المعنى نفسه يقول الإمام علي كرم الله وجهه : ” والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين ونقل بحرين ذاخرين إلى أرض الصعيد بمنخلين وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليّ من أن أٌريق ماء وجهي أمام بخيل لئيم لوفاء دين. 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s